«أنا مع من أحبهم في صورة أخرى، لم يعد لديَّ شيء لأقوله، لقد فقدت كل الحكمة، هذا لو وجد شيء منها بداخلي من الأساس، والآن الماضي الذي كان يخصني صار بعيداً، كما لو كان لا يخصني، كما لو كان قد ابتلعه الثقب الأسود، كل مشاعري زالت وأنتظر ببرود العاصفة!»
— Moondog
خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، قرر «خيري بشارة»، المخرج الأعلى أجراً وقتها في السينما المصرية والأكثر جماهيرية، الانسحاب من المشهد الفني، انسحاباً سوف يمتد لسنوات. فسره الكثيرون بمعاناة زوجته مونيكا مع متلازمة غيلان باريه النادرة مما استلزم تفرُّغه التام لرعايتها.
تمثل غيلان باريه، مثل كل الأمراض المناعية، خيانة الجسد لذاته، حيث يهاجم الجهاز المناعي بضراوة عمياء جزءاً حيوياً من الجسد ظناً أنه دخيل، وفي حالة غيلان باريه تهاجم الأجسام المناعية الأعصاب، مما يؤدي لضعفٍ وخدر يسري في أطراف الجسم حتى يصيب صاحبه، حال عدم احتوائه، بالشلل الكامل.
بينما تصارع مونيكا دراما الخيانة العضوية التي تحدث داخل جسدها، كان خيري بشارة يعاني خيانة شعرية مشابهة داخل روحه، العجز بتعبيره يتسلل من داخله ليتبدى على ملامحه الخارجية، فيظهر أكبر عمراً من سنه الحقيقي، البصيرة تنسحب من فنه، فيبدو لأول مرة تائهاً، لا يملك مستقبلاً يبشر به، ولا تمرداً يدشنه عبر بطل جديد له، ولا أغنية منعشة توقف الشلل الذي يعتريه، مثلما اعتاد أبطاله وكومبارس الشوارع في أفلامه كسر حاجز الإيهام والتعبير عن الروح بالغناء.
يقول بشارة عن تلك الفترة: «منذ السبعينيات وحتى التسعينيات، أنا كنت فاهم مصر، فاهم مجتمعي وقادر أعبر عنه، بعد كده مبقتش فاهم، وبالتالي مش قادر أعبر»!
في عام 2000 سوف ينقل بشارة ثقل الحيرة والسؤال من مجتمعه إلى ذاته، مستغنياً عن كل عناصر الإنتاج الجماعية الضخمة، وباستخدام كاميرا ديجيتال متواضعة، سوف يصنع فيلماً ذاتياً بعنوان Moondog الذي يبدأ مشهده الأول به وهو يقول إنه استيقظ ذات يوم وقد فقد أناه المألوفة، وبات آخرَ لا يعرفه.
لا يدور الفيلم عن قصته الحقيقية باعتباره مخرجاً شهيراً فقد لمسته الفنية وحسب، إنما عن تحوله المفاجئ إلى كلب! بينما تبذل عائلة خيري بشارة الحقيقية جهدها لاستعادته من حالته الجديدة.
يصف خيري بشارة التجربة بأكملها باعتبارها محاولة للتطهر الذاتي، والتخفف من أوهام وعوالق تشوش رؤيته للعالم، لذلك كانت الكلاب مجازاً مناسباً للتعبير عن الذات، خلواً من ألاعيبها وادعاءاتها التي تحميها، فالكلاب لا تكذب فيما تظهره من مشاعر، ولا تخجل من التبول والحب علناً، يقول بشارة على لسان الكلب الذي يهز ذيله بسعادة وهو يختبر حريته: «أشعر بسعادة لأنني تخلصت من عبء التاريخ البشري بكل ما يحمله من غباء».
بعد نجاح أفلامه الأولى، مثل العوامة 70 والطوق والإسورة، تحرر بشارة من الجدية التي تثقله بها توقعات النخبة والأيديولوجيا اليسارية، ليقدم كابوريا وآيس كريم في جليم، فيعبر عن انحيازه للبطل المتمرد الذي يقف مستنداً لفردانيته بعد سقوط السردية اليسارية الكبرى بانهيار جدار برلين، ومع بداية الألفية بعدما فقد حاسة إدراكه لمجتمعه، دفع بشارة الأمور لأقصاها بمحاولته التحرر من ظرفه الإنساني كاملاً، ليختبر الحياة في حالتها الغفل، حرية كلب وفيٍّ لغرائزه الأقدم.
لم ينل بشارة في حالته الكلبية حريته كما تمنى، إنما انتقل عبر طوق ضيق من ملكية شخص لآخر، وأحب كلبة أرستقراطية، رفضته بتعالٍ طبقي لأنه مختلط الأصل، والأهم أنه يحمل رائحة البشر. كان خيري الكلب هجين عالقاً بين أطلال إنسانية لم تزل بعد، وهيئة حيوانية غير مكتملة، يفسدها إدراك المخلوق لذاته. فالكلب في الفيلم يفلسف وضعه وهو يتلو مقاطع لهاملت المعذب!
ربما يعود عجز خيري حتى في حالته الكلبية عن نسيان انحيازاته، إلى فكرة قسم الفقراء الذي أخلص له طوال مسيرته، وهو قسم تشاركه مع زوجته مونيكا، أن يتحملا الحياة تحت أي ظرف، دون أن يجبره القدر أو العوز أن يصنع فناً لا يشبهه، أو يتخلى فيه عن الفقراء الذين يمثلون قلب سينماه منذ بدايتها، وفي كل تحولاتها. لذلك تحرر كلبه من كل إكراهاته الإنسانية، لكنه ظل مخلصاً لقسمه ومتموضعاً طبقياً بين الفقراء.
يؤمن بشارة أن أفلامه ليست أبدية الصلاحية، يعرِّف ذاته دوماً بأنه ابن لحظته الراهنة، وأفلامه تنتمي لماضٍ عبر عنه في وقته، وهي لا تخلو رغم أصالتها من مساومات في صنعها مع المنتجين والممثلين وظروف زمنها، لذلك عندما ظهر عصر الكاميرا الديجيتال، بشَّر خيري بانتشاء طفولي بزمن يمكن فيه لصانع السينما أن يصنع No Budget Movies، ولن يقتصر الأمر على المخرج والفنان، يمكن لأي إنسان أن يصنع سينماه الخاصة، سينما ديمقراطية حرة من إكراهات السوق، وابنة زمانها؛ لذلك قدم Moondog باعتباره محاولة متطرفة بالديجيتال لمساءلة ذاته دون القلق من توقعات جمهوره وإيرادات الإنتاج.
مشهد من فيلم Moondog
يمثل التيك توك تنويعاً مستقبلياً عن إيمانات بشارة القديمة، وسيط يمكن عبره أن يصنع المرء محتواه الخاص، بل أن تكون الذات هي المحتوى. كما حول خيري ذاته إلى سؤال عن فقد الهوية ومحاولة استعادتها في Moondog، ولكن ربما ما لم يتوقعه بشارة أبداً أن يستعيد التيك توك كابوساً سينمائياً قدمه مراراً في أفلامه، وهو تسليع الفقراء، أو تحويل تجربة الفقير الطبقية إلى سلعة رأسمالية للتسلية.
بعد ربع قرن من تجربة بشارة في Moondog، استوقفني مقطع على التيك توك لرجل يحاول أن يقلد الكلاب وهو يأكل قطعة لحم، لمغالبة منافسه في تحدٍّ بالبث المباشر، رجل يبدو عليه مزيج الفقر والفهلوة الذي يميز أبطال بشارة دوماً، لكن تخلو عيناه من التمرد الذي يضفيه بشارة على أبطاله. رجل مستسلم تماماً لعرض ذاته كسلعة تسلية، محققاً وصاله مع الحالة الكلبية لا لتطهير ذاته مثل بشارة، إنما لاستجداء القبول من عيون خارجه، فقط لم يمتلك ذيلاً ليهزه ليعبر عن سعادته أو اشمئزازه مما يفعله.
في يوليو الماضي قررت البلوجر الشهيرة على التيك توك مريم الحركي، إقامة حفل عيد ميلادها بطريقة فريدة، وهي استنساخ ديكور الحارة الشعبية وملابس الفقراء، ليظهر صناع محتوى أثرياء في حفلة تعج بالأسلحة البيضاء والوجوه الملطخة بأصباغ فاقعة، ليبدو الأمر برمته محاولة طبقة ثرية استعراض أفكارها وتأملاتها السطحية والبارودية عن طبقة أدنى.
يبدو الحفل في مشاهده صورة حديثة من مشهد فيلم حرب الفراولة الشهير، عندما قام المليونير ثابت وجدي خلال استضافته للفقير حمامة السوهاجي بتحويل ديكور منزله العتيق الزاخر بمقتنيات الأسرة العلوية إلى ديكور حارة شعبية، مستقدماً الباعة الجائلين والفقراء، يخبرنا بشارة منذ البداية أن المليونير لا يريد التعرف على عالم الفقراء أو وصاله، إنما تصغيره وتعليبه في Theme أو تجربة ترفيهية يمكن استهلاكها كمنتج.
مشهد من فيلم حرب الفراولة
من بين كل أفلام خيري بشارة تقف ثلاثية كابوريا وحرب الفراولة وقشر البندق، بعناوينها المميزة، لتؤطر فكرة تحويل الفقراء إلى سلعة رأسمالية يمكن استهلاكها مثل الطعام. يبدأ فيلم كابوريا بحسن هدهد الذي يرقص في مركبه البسيط مع أصدقائه بمحاذاة باخرة فاخرة في مجاز عن الكابوريا التي تُصطاد دوماً في الفجر عندما تتهادى على الشاطئ. يُصطاد حسن هدهد بالطريقة نفسها ويُستقدَم بدعوة مراوغة ليكون تسلية للأغنياء، بينما الفراولة بتعبير المليونير ثابت هي فاكهة رقيقة قصيرة العمر؛ لذلك تحتاج قفازات رقيقة لقطفها، مما يثير حرباً بين عالم الثراء الناعم وعالم الفقر الخشن تتوسطها الجميلة فراولة التي تتعرض لغواية الجانبين. وأخيراً يعبر قشر البندق عن فقراء أكثر هشاشة من البندق الذي يؤكل كتسلية، قلوبهم رقيقة لا تحميها قشرة صلبة، لذلك تتحطم بسهولة.
بعد ربع قرن من الألفية التي استقبلها بشارة بذات كلبية متحررة من رؤاها القديمة، عبر كاميرا ديجيتال تبشر بوسيط حر من إكراهات الصناعة ورهين رؤية حاملها. نجح وسيط ديمقراطي أكثر حداثة مثل التيك توك في استعادة هاجس مخيف من أفلامه القديمة وتحويله إلى كابوس راهن.
لذلك يحاول هذا المقال مقاربة الثلاثية السينمائية بفعل الاستعادة نفسه، الثلاثية التي صنعها صاحبها باعتبارها فانتازيا قلقة وتنبؤية عن عالم ذي قطب واحد ورأسمالية متوحشة لن تدهس الفقراء، وحسب إنما ستحول ذواتهم إلى سلعة على خط الإنتاج، وعلى كل فقير أن يجعل من ذاته تسلية فريدة في إمتاعها ليضمن ألا ينتهي به الحال خارج دورة الإنتاج نفسها.
«جورباتشوف عمل بروستاريكا، فينيتو اشتراكية، وسور برلين بقى بيتباع تذكار».
— كابوريا 1990
يتقاطع كابوريا مع حريف محمد خان في سمات كثيرة، كلاهما بطل تخلو ذاته من أي تحقق خارج حلبة اللعب، يصنع أبو فارس الأقفاص الخشبية، بينما يعمل أبو حسن هدهد نافخ زجاج، مهن على وشك الانقراض في عالم استهلاكي جديد يقدس الإنتاج الهائل على خطوط ميكانيكية، وليس الحرفة اليدوية.
يؤمن البطلان أنهما لن يكونا امتداداً لآباء يوشك الزمن على ابتلاعهم، يتحول فارس إلى مهنة تناسب زمن الانفتاح ويودع ذاته وزمن الأحلام الكبرى بمباراة أخيرة في الملعب الذي منحه دوماً تحققه الفرداني، كبطل ليلي ولو للحظات، بطل يخص الفقراء، يراهنون عليه وينتظرونه، بطولة عابرة تزول بظهور شعاع النهار.
يأسرنا خان في عالم بطله الذاتي ليودع عبره زمناً قديماً يموت ويستشرف زمناً جديداً لم يولد بعد، لينجح بشارة بعد سبع سنوات تفصل الفيلمين في استشراف الزمن الجديد. الذي زال ضبابه ووضحت معالمه بسقوط جدار برلين عام 1989 ونهاية الشيوعية.
تبشر الرأسمالية بنهاية التاريخ بتعبير فوكوياما الشهير، وبنهاية الصراع يصاب المنتصر بالملل، وهو المشهد الذي يبدأ به فيلم كابوريا، أثرياء يراقبون بتلذذ مصارعة ديكة على متن باخرة فارهة. ما إن تنتهي المباراة حتى يزول الترقب من الأعين ويطفئ الملل جذوة الحماس.
في عالم الحريف يراهن الفقراء على مباريات كرة القدم، رهانات لا تفسد بماديتها بطولة المنتصر؛ لأنه ينتمي لعالمهم في النهاية، بينما في كابوريا يعتبر الثنائي الثري حورية وسليمان العالم بأكمله مادة للرهان، من سباقات الخيل إلى مصارعة الديكة، لذلك عندما ينتقل رهانهما إلى البشر في شخص حسن هدهد. ندرك أن البطل حسن عليه أن يتحول إلى ديك بشري؛ لأنه لا يشبه جمهوره مثل فارس الحريف. مخلوق لا نتماهى مع انتصاره أو هزيمته، إنما صراعه هدفه التسلية وإمتاع جمهور غريب عنه؛ لذلك يصير مشهد الفيلم الرئيسي هو أغنية كابوريا عندما يرقص حسن حول الحلبة ويغني بدلاً من الملاكمة فيها، لأنه يدرك أن التسلية عابرة يترصدها الملل، لذلك عليه أن ينوع حضوره بتنوع رغبات مشاهديه لينجو.
تشير فتاة ثرية إلى حسن هدهد وتقول إنه يشبه سبارتاكوس، العبد الشهير الذي قاتل في حلبات المصارعة الرومانية لتسلية الأباطرة. في إشارة لوضعه ونبوءة بما سيفعله. لا يُشتهَر سبارتاكوس التاريخي بمبارياته وحسب، إنما بقيادته ثورة العبيد الشهيرة.
يثور حسن هدهد ويصنع رهانه الخاص، وبعد الفوز يلقي بالمال لأسياده ويعود خالي الوفاض إلى حبيبته القديمة، مصطنعاً سلماً بشرياً من أكتاف أصدقائه ليمنحها قبلة، وهو يخبرها عن مغامرة خسر فيها كل شيء وفاز بذاته.
مشهد من فيلم كابوريا
مشهد آخر من فيلم كابوريا
يحمل كابوريا تفاؤلاً فردانياً رغم قسوة زمنه، سيظهره بشارة بشكل أكثر نضجاً في بطله سيف في آيس كريم في جليم، الذي سيتظاهر بالإعاقة لينال فرصة للظهور، لكنه في النهاية سيلقي عكازاته ومجاز عجزه جانباً، ويعبر عن فردانيته بافتتان يتحدى إكراهات زمنه.
تعرض خيري بشارة لمذبحة نقدية بعد تقديم فيلمه، لم يفهم النقاد نبوءته، لم يكن بطله مغترباً ومعقداً بأبعاده مثل فارس الحريف، إنما حمل حيوية جديدة تناسب زمناً أكثر قسوة، لا ينجو بطله بالركض فراراً من ذاته، إنما بالرهان بها وعليها في سوق مفتوح.
في أحد مشاهد الفيلم يسأل حسن هدهد أحد الأثرياء، لماذا أغلق السينما خاصته وحولها إلى مصنع أحذية، يرد الثري بسخرية: «الجزم أحسن من السينما.»
لم يحقق الحريف أرباحاً تُذكَر، وحقق كابوريا أرباحاً خيالية جعلت بشارة الأعلى أجراً في زمنه؛ لأن كابوريا لم يموضعه الزمن في رثاء زمن ميت، إنما في تمثيل زمن براق لن يبيع فيه الحريف أحلامه وذاته فقط، إنما مهارته نفسها ليكون مسلياً، لأن السينما نفسها قد تحولها الرأسمالية إلى مصنع أحذية لو لم تقدم تسلية كافية.
«السيما ضحكت والمزة ضحكت وبقيت أنا الفيلم»
— حرب الفراولة
يدور كابوريا حول الملل بعد انتصار السردية الكبرى، والذي يعبر عنه الثري سليمان، وهو يخبر هدهد أن مشكلته هي أن أمواله تتضاعف ذاتياً دون جهد منه، وهذا يفقده الأدرينالين اللازم للعيش، لذلك يلجأ للرهان.
بينما في حرب الفراولة يواجه الثري ثابت وجدي أزمة وجودية تختلف عن الملل، وهي الخواء بعد فقد ابنه. يمتلك ثابت الأموال الكافية لشراء كل شيء، حتى التاريخ نفسه، يعترف أن جده كان تاجراً فقيراً في وكالة البلح، وأن حفيده ابن لتجربة الانفتاح، ورغم ذلك تكسو منزله بورتريهات وسيوف تعود إلى الأسرة العلوية، لأنه بتعبير صديقته، يحاول أن يصنع سردية وتاريخاً لنفسه.
تظهر في تتر الفيلم ثيمة بعينها هي عالم Arcade Game معبرة عن نظرة ثابت وجدي للعالم باعتباره لعبة، يمكنه متى عرف قوانينها أن ينتصر.
مشهد آخر من فيلم حرب الفراولة
لكن يظهر الفقد كتجربة شعورية لا قوانين تحدد نهايتها أو سبل تجاوزها فيصير سؤاله كيف يشتري بقدراته المالية السعادة من جديد بعد الفقد؟
ينجذب ثابت إلى عالم الفقراء لأنه يسكن بثرائه في نهاية أرض الأحلام، بينما هم في بدايتها، تمتلك أرواحهم زاداً كافياً من الأحلام، وخبرة في معايشة واقع قاسٍ لا تتحقق تلك الأحلام فيه. لذلك يحاول عبر وصال حمامة السوهاجي البائع المتجول معرفة كيف يمكن للمرء أن يتعايش مع حلم لن يحدث، مثل حلمه باستعادة ابنه من الموت؟
سامي العدل ومحمود حميدة في مشهد من فيلم حرب الفراولة
بإحكام رأسمالي يحول ثابت شعور الفقد من خبرة شعورية عليه مكابدتها كإنسان إلى تعاقد رأسمالي، بموجبه يقدم له حمامة السوهاجي وزوجته فراولة السعادة مقابل أن يمنحهما مالاً كافياً للخروج من أسر الفقر.
يستعيد حمامة في بداية تعارفه بالمليونير لحظة ذهب فيها إلى السينما مع فتاة تعجبه، ليتحول اسمه إلى هتاف جماعي مهين، يحول حمامة من متفرج إلى مادة التسلية، أو بتعبيره، يصير هو الفيلم نفسه.
يتحول حمامة إلى بطل، ينتظر المتفرجين الذين ما إن يخرجوا من ظلام الخيال إلى الواقع خارج قاعة العرض، حتى يمنح كل متفرج صفعة على قفاه لاستعادة كرامته. لا ندري هل يروي حمامة خيالاً كاذباً أم حقيقياً؟ فهو فقير، والفقراء يمتلكون مادة الخيال والتلفيق الكافية ليتسيدوا عالمهم ولا يكونوا ضحاياه. يمكن لحمامة أن يصطنع فيلماً يكون بطله ليعيد تدوير تجربة قاسية كان هو فيها مادة العرض.
تصير حبكة حرب الفراولة برمتها، استعادة للمشهد نفسه، ولكن يتحول حمامة إلى الفيلم المعروض ولا يملك سلطة أبداً للعودة إلى البطولة أو الانتقام من الإهانة.
ينتقل خيري بشارة بالفانتازيا خطوة للأمام، فالأثرياء لم يعودوا متفرجين على مصارعة ديكة أو بشر لكسر الملل، إنما عليهم الهبوط إلى عالم التجربة نفسها. يهبطون كسياح في جحيم عالم الفقر ومشاعر الحرمان القوية بحثاً عن خبرة يستعيدون معها حواسهم من جديد، ولكن جحيم الفقر لا يشبه جحيم دانتي الذي يحضر فيه فيرجيل كمرشد للفردوس.
لا يرشد حمامة المليونير إلى طريقة للسعادة، إنما يصير رهين نزوات رجل يختبر الحياة بنفس طريقة اختبار القنوات بريموت التحكم، يحاول سرقة بنك يملكه، يحاول الحياة عبر ثياب امرأة، يحاول اعتزال المدنية نحو الطبيعة، وفي كل مرة يستبقي مسافة بينه وبين التجربة بينما يراقب انغماس الفقير حمامة في التجربة كلها، وصولاً إلى تحويله فأر تجارب في لعبة انتخابات سياسية.
محمود حميدة ويسرا في مشهد من فيلم حرب الفراولة
يدرك المليونير أن صديقه الفقير خسر ذاته كاملة وتحول إلى أسوأ كوابيسه، وهي أن يكون الفيلم لا المشاهد دون أن ينال فرصة لاستعادة كرامته وصفع الساخرين. فعل حمامة كل ذلك ليظفر بحياة مع حبيبته فراولة. أو بتعبيره، أن الفتاة الجميلة تستحق أن يخرج آدم لأجلها من الجنة.
يقطف المليونير فراولة بنعومة، ويترك المال لحمامة، تنتقل بوصلة خيري بشارة إلى تشاؤم مبدئي، بطله لم يمتلك شجاعة حسن في الثورة مثل سبارتاكوس، ربما لأن حمامة لم يمتلك حلبة من الأساس، إنما العالم برمته كان زحاماً مثقلاً ليجد ذاته فيه أو يعرف قوانينه.
يخسر حمامة ذاته وحبيبته، لكنه يمنح ثابت الثري خبرة أخيرة لا يمكن شراؤها وهي خبرة الموت. يقتل حمامة المليونير في صفعة أكثر قسوة من القفا المتخيل الذي منحه لكل من سخروا منه في السينما. لن يستعيد البطل حبيبته، لكنه سيستعيد جزءاً من ذاته.
«أرشميدس اكتشف قانون الطفو وهو بيستحمى، مش يمكن يتقال إن المسابقة دي اكتشفت قانون للحياة.»
— قشر البندق
يمثل قشر البندق ذروة تصور خيري بشارة لما يمكن أن تفعله الرأسمالية بالفقراء، يتحول الفقراء في كابوريا إلى مادة لكسر الملل، وفي حرب الفراولة إلى عالم ترفيهي مثل ألعاب Arcade يمكن بتجربته استعادة النشوة وكسر وطأة الفقد، بتعاقد رأسمالي واضح.
في قشر البندق تحيا الرأسمالية أزمة كساد، يهدد الكساد الاقتصادي كل الوعود التي قدمتها الرأسمالية عن نفسها، لذلك ننتقل من حسن هدهد وحمامة السوهاجي، باعتبارهما تجارب فردية اصطدم أصحابها الفقراء عرضاً بعالم الأثرياء، إلى التوجه بقصدية إلى الفقراء ووضعهم على خط إنتاج فوردي رتيب ليخلقوا ربحاً؛ لأن النظام بأكمله في خطر لا يحتمل رفاهية الصفقات الفردية ورهانات التسلية.
يقتبس خيري بشارة قصة فيلمه من رواية هوراس ماكوي «إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟»، والتي حولها سيدني بولاك إلى فيلم هوليوودي شهير بالاسم نفسه.
تدور الرواية حول مسابقات الرقص التي انتشرت في زمن الكساد بثلاثينيات القرن الماضي، والتي اشترك فيها الفقراء طمعاً في جوائز مالية، رغم قسوتها التي تجبرهم على الرقص لمئات الساعات.
يحول خيري بشارة الحبكة من الرقص إلى مسابقة طعام ينظمها فندق كايرو سهارا إنترناشونال، وتنقلها قناة فضائية دولية أملاً أن ينجو الفندق عبر أموال المعلنين من الكساد. ولكن مثل الرواية، يشترك الفقراء بكثافة أملاً في وجبة طعام أو حظاً يكفي للفوز بالجوائز المالية.
لا نؤسر في قشر البندق للعالم الذاتي لشخصية بعينها إنما نرى موزاييك من شخصيات تمتلك كل واحدة بؤسها الخاص، لكن يظل الفقر هو مأزق الشخوص كافة.
يظهر ضحايا الرأسمالية في طابور قصصي لا يمكن أن نتعرف فيه على مجرم بعينه، الجميع ضحايا حتى لو لم يقوموا بأي خيارات للعيش مثل الخادمة الطفلة مرزوقة التي جوَّعتها مخدومتها ساعات طويلة لتفوز في المسابقة.
رغم طفولتها أو بسبب طفولتها تنجو مرزوقة من إكمال المسابقة عندما تطارد بسذاجة تفرضها براءتها، بالوناً زاهي الألوان، يمثل طفولتها التي لم تحيَها أبداً، عندما تصل له تجده قد فرغ من هوائه، لكنه منحها فتنة الحرية، لذلك تفرد شعرها وترقص وهي تتحسس حريتها الجديدة بعيداً عن أعين المتفرجين ومخدومتها.
لا تتحقق النجاة لشخوص الفيلم مثل مرزوقة؛ لأن أغلالهم أكثر ضيقاً وثقلاً، يطيع الجميع قوانين المسابقة على قسوتها وهزليتها، مثلما رقصت البطلة جلوريا ورفيقها روبرت في رواية ماكوي، أكثر من 879 ساعة.
في أشد أوقاتها ضعفاً لا تصدر الرأسمالية قوانينها باعتبارها الأفضل، إنما باعتبارها قانوناً للحياة نفسها، لا حرية خارجه، بينما نجحت الطفلة ببراءة لم تتعكر بعد في الهروب، لا يملك المثقفون الشجاعة لمساءلة قوانين اللعبة، يتحول الصحفيون اليساريون إلى متفرجين مهمشين يسخرون من العرض دون التفكير في إيقافه، بينما تجسد المثقفة النسوية وملكة الجمال العجوز انعكاساً مختلفاً للجوع نفسه الذي يعاني منه الفقراء، فهم يمتلكون احتياجات جسدية وعاطفية لا يعبرون عنها أبداً، ولا يمكن شراؤها بالمال.
تتحول الرأسمالية إلى فخ مغلق على ذاته، رغم أنه في كساده في أشد أحواله ضعفاً، إلا أن أحداً لا ينتبه للقفص المفتوح، الجميع يظل في المسابقة حتى الموت.
تنتهي رواية ماكوي بالبطلة جلوريا وهي تتوسل لرفيقها أن يقتلها قتلاً رحيماً لأن ساقيها لم تعد تتحمل، يتذكر البطل روبرت مشهد حصان قُتل في طفولته عندما كسرت ساقه. فيقتل رفيقته. مثلما تموت الجياد أو ربما لأنها وصلت لحالة حيوانية يصير معها الموت الحل الوحيد لاستعادة إنسانيتها.
بنهاية قشر البندق يصل خيري بشارة إلى منتهى مخاوفه، يغترب عن مجتمع لم يعد يمتلك طاقة كافية لبث التمرد فيه، ولم يعد يمتلك خيالاً كافياً لإنقاذه بأبطال جدد؛ لأن قلوب أبطاله تحطمت وبقيت قشرة بسيطة تشبه قناعاً بشرياً لهشاشتها، قشرة لا تمتلك حتى صلابة قشر البندق.
«أنتظر تغييراً جوهرياً من شأنه أن يضع الإنسان النبيل في مركز الكون، عندها يمكنني أن أعود إنساناً.»
— Moondog
بدأ خيري بشارة فيلم Moondog عام 2000 واستمر في تصويره لأكثر من عقد، يشاهد بشارة بعيون الكلب ثورة يناير ويدمجها في فيلمه، يتمنى على لسان الكلب موندوج أن يعود ليحيا حياة الكلاب في القاهرة؛ لأن الكلاب الضالة حرة، لا يطوق رقبتها قيد.
مشهد آخر من فيلم Moondog
تنجح ثورة يناير عبر وسيط ديمقراطي مثل وسائط التواصل الاجتماعي، وتتحول كادرات الانتصار الفردي في أفلام مثل آيس كريم في جليم وكابوريا إلى كادرات انتصار جمعي في ميدان هائل.
يؤمن بشارة أن الثورة تنتصر مرحلياً وتنهزم مرحلياً، لكنها تصنع زلزلة في الوعي لا يمكن أن يعود بعده لسباته القديم. فقدت الثورة بهاء وسائطها، وظهرت وسائط جديدة ديمقراطية كذلك، لكنها مثلت نوافذ لطبقات يائسة لاستعراض بؤسها، أو تحويل ذوات أصحابها إلى مادة للتسلية دون الحاجة للاصطدام العرضي بأغنياء في باخرة فارهة مثل مغامرة حسن هدهد. وسائط مثلت كذلك مادة للطبقات الأعلى للتلصص على عوالم الفقراء وتقليدها باستعلاء لا يحتاجون معه النزول الفعلي لتلك الطبقات مثل مغامرة المليونير وجدي ثابت. وسائط لا تعتمد على مسابقة بشروط بعينها أو ساعات من الرقص، إنما بث افتراضي لا ينتهي ولا يتحرر منه أصحابه. ولا يمكن للطفل أن يغادره بحثاً عن بالون أو براءة، إنما يقف أحياناً برفقة والديه ليصير هو المحتوى.
تمتلك سينما خيري بشارة عنصراً خالداً يجاوز زمنه، وهو أبطال عالقون في عالم ما بعد السرديات الكبرى، حداثة تتغير وسائطها ولا تتغير قوانينها، لذلك يمكن بفعل استعادة بسيط أن يتحول حسن هدهد وحمامة وكل ضحايا قشر البندق إلى شخصيات راهنة.
يعلن خيري في نهاية فيلمه أن خروجه من الحالة الكلبية رهين تغيير يحدث، يستعيد معه الإنسان إنسانيته، عندها يمكن أن تزول لعنة الكلب. وبينما يصعب أن ننتظر تغييراً جوهرياً في سردية جمعية أكثر تعقيداً من فردانيتنا، يمكننا استعادة سينما خيري بشارة كتذكار عن تمرد فردي وهزيمة وشخوص لو استسلمت لقوانين زمنها باعتباره قانوناً للحياة، قد تتساوى في موتها مع الجياد المهزومة.